إستراتيجي
في ظل الصراعات الإقليمية المستمرة، أصبحت الصين عاملاً حاسماً لتحقيق الاستقرار العالمي.
Seetao 2026-04-09 14:44
  • بينما قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، كانت الصين تعيد بناء الشرق الأوسط.
تتطلب قراءة هذه المقالة
9 دقيقة

إسلام آباد/بكين - بينما تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران، مما يؤدي إلى تقليص تدفق النفط عبر مضيق هرمز إلى 400 ألف برميل فقط يوميًا، يتكشف واقعٌ موازٍ في أكثر مناطق العالم اضطرابًا، واقعٌ لا يقوم على القنابل بل على الجسور. فمن محطات الطاقة المدمرة في سوريا إلى الطرق السريعة المحطمة في أوكرانيا، تتحول الرافعات والكابلات والخرسانة الصينية بهدوء إلى البنية التحتية الأكثر موثوقية في العالم، والتي تُعدّ الملاذ الأخير.

ليس التوقيت مصادفة. فبينما تتصاعد حدة التوترات في غرب آسيا، ساد تيار دبلوماسي هادئ بكين. فمنذ مطلع عام 2026، قام قادة من كوريا الجنوبية وكندا والمملكة المتحدة وفنلندا وألمانيا وأيرلندا بزيارة إلى الشرق، في قائمة تضمّ أكثر حلفاء أمريكا ثقة. ووقع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ 15 اتفاقية حكومية و32 مذكرة تفاهم تجارية، بينما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن "شراكة استراتيجية جديدة". حتى البيت الأبيض، رغم الضجيج الصادر من واشنطن، أشار إلى خطط لزيارة دونالد ترامب في أبريل/نيسان.

World Leaders' Davos Tune About New World Order Is Music to Beijing's Ears  - Bloomberg

ما يُميّز هذه اللحظة ليس حجمها فحسب، بل إلحاحها. لم يعد القادة الغربيون يسافرون إلى بكين لإلقاء محاضرات عن حقوق الإنسان أو عن "الطاقة الإنتاجية الفائضة". إنهم يأتون لتأمين شيء أثمن بكثير في عصر الحروب: الاستقرار الاقتصادي. ولتحقيق ذلك، هم بحاجة إلى الصين. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية عشرة أضعاف بين عامي 2004 و2024، ليصل إلى 407 مليارات دولار، ما جعل بكين الشريك التجاري الأول لكل دولة عربية وإيران على حد سواء.

لكن القصة الأعمق تتجاوز قاعات الاجتماعات. فاستراتيجية الصين لإعادة الإعمار بعد النزاع تتشكل في جبهات متعددة مزقتها الحروب، وهي تُقدّم نموذجًا لما قد يبدو عليه "الاستقرار" الحقيقي بعد توقف القتال.

Israel Attack: Does China's Oil Trade With Iran Give Beijing Leverage?

من ميناء البصرة العراقي إلى شبكة الكهرباء السورية المنهارة، تُرسّخ الشركات الصينية مكانتها كمهندسين رئيسيين لإعادة إعمار الشرق الأوسط. وقد برزت شركة "تشاينا باور كونستركشن" كمقاول أساسي لإصلاحات الطاقة الطارئة، وتحلية مياه البحر، وبناء المدارس والمستشفيات ومصانع الإسمنت في العراق وسوريا ولبنان. وفي قطاع غزة، ينصبّ التركيز على المساكن المؤقتة ووحدات تحلية المياه؛ وفي لبنان، على إصلاح شبكة الكهرباء وإنشاء مصفوفات الطاقة الشمسية الكهروضوئية. وفي دول الخليج، تُشيّد الشركات الصينية مجمعات الطاقة النظيفة ومحطات تحلية المياه المتطورة، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 ورؤية الكويت الوطنية 2035.

في غضون ذلك، باتت إعادة إعمار أوكرانيا - التي تُقدّر تكلفتها بأكثر من 580 مليار دولار على مدى العقد المقبل - موضع تساؤل حول الجهة التي ستتولى إعادة بنائها. إذ يقع ما يقرب من 40% من قدرة توليد الطاقة في البلاد تحت الأنقاض، ويحتاج 24 ألف كيلومتر من الطرق إلى إعادة إعمار كاملة. تُعدّ شركات الصين العملاقة المملوكة للدولة - شركة سكك حديد الصين، وشركة اتصالات الصين، وشركة بناء الطاقة الصينية - من بين أكثر شركات بناء البنية التحتية خبرةً في العالم، إذ أنجزت مئات المشاريع في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات سياسية: فقد اتخذت الدول الغربية خطوات لتقييد المشاركة الصينية، حتى مع دعوة الرئيس الأوكراني علنًا إلى تقديم المساعدة الصينية في كل من عملية إعادة الإعمار بعد الحرب ومفاوضات السلام.

هذا ليس عملاً خيرياً، بل هو نهج عملي على مستوى عالمي. تُطبّق الشركات الصينية ما يُطلق عليه المحللون نموذج "سلسلة الصناعة المتكاملة"، حيث لا تقتصر صادراتها على الفولاذ فحسب، بل تشمل أيضاً معايير هندسية ومنصات إدارة رقمية وخبرات تشغيلية طويلة الأمد. وقد لاقى هذا النهج رواجاً واسعاً. فقد وقّعت المملكة العربية السعودية مؤخراً اتفاقية بناء 100 ألف وحدة سكنية مع مقاولين صينيين، مُشيدةً بسرعتهم وجودة أعمالهم وقدرتهم على التنفيذ على نطاق واسع. كما أبرمت الكويت عقدها التاريخي لميناء مبارك الكبير مع شركة "تشاينا كوميونيكيشنز كونستركشن"، في سابقة هي الأولى من نوعها لتطبيق المعايير الهندسية الصينية في مشروع ميناء رئيسي في الشرق الأوسط.

科威特大穆巴拉克港一期EPC项目正式签约--国际--人民网

قال رئيس الوزراء الكويتي أحمد العبدالله الصباح في حفل توقيع اتفاقية الميناء في ديسمبر/كانون الأول: "هذا يُجسّد تماماً عمق الصداقة والتعاون بين الصين والكويت".

سواء على ضفاف نهر دجلة أو نهر دنيبر، في صحاري السعودية أو أنقاض غزة، يبرز نمطٌ واحد: فبينما تقصف إحدى القوى العالمية، تبني أخرى. وبينما ترسم إحداها خطوطاً حمراء، ترسم أخرى مخططات.

في عالمٍ تتصاعد فيه الصراعات، أصبحت الصين خطاً أحمر للاستقرار العالمي، ليس لأنها تسعى إلى الصراع، بل لأنها تُجيد إعادة البناء بعد انتهائه.Editor/Cao Tianyi

تعليق

مقالات ذات صلة

ماكرو

فيتنام تصبح محرك جديد في اقتصاد جنوب شرق آسيا و الصين

04-09

ماكرو

الصين تخزين الطاقة يذهب إلى البحر من الخروج إلى الغوص

04-08

ماكرو

استثمارات الاصول الثابتة ما يقرب من 130 مليار يوان ! شبكة الدولة في بداية الربع الأول من عام 2026

04-08

ماكرو

بناء شبكة الكهرباء : 42 ٪ قفزة في الربع الأول

04-07

ماكرو

تشن شياو جيانغ اركين tunyazi يجتمع مع حاكم ولاية سيرة في أوزبكستان تورزيموف

04-07

علم السياسة الطبيعية

يوننان يقفز من النهاية الجغرافية وفتح محور

04-03

يجمع
تعليق
مشاركة

استرداد كلمة المرور

الحصول على رمز التحقق
بالتأكيد