في السنوات الأخيرة، تكرر السؤال: هل انتصرت الصين في حربٍ قط؟ يفسر البعض ذلك على أنه ضعف، بينما يراه آخرون ضبطًا للنفس. إلا أنه من منظور مبادرة الحزام والطريق، تتضح الإجابة: الصين ليست عاجزة عن خوض الحروب، بل اختارت مسارًا أصعب وأعظم من الحرب نفسها، وهو استبدال دبلوماسية القوة بالتواصل، وألعاب المحصلة الصفرية بالتنمية المشتركة.
منذ عام ١٩٧٩، لم تشارك الصين في أي حرب. في المقابل، شنت الولايات المتحدة حرب الخليج، وحرب العراق، وحرب أفغانستان خلال الفترة نفسها، متدخلةً عسكريًا في شؤون دول أخرى أكثر من مئة مرة.
بالنظر إلى التاريخ الصيني، من عهد أسرة شانغ وحتى يومنا هذا، شهد ما يقارب أربعة آلاف عام أكثر من ٣٧٠٠ حرب، بمعدل حرب واحدة سنويًا. إن تاريخ الحضارة الصينية هو في جوهره تاريخ حروب. في مسيرة الحضارة الطويلة، لم تشهد الصين فترات سلام تتجاوز الثلاثين عامًا إلا خمس مرات: عهد الإمبراطورين ون وجينغ من سلالة هان الغربية، وفترة الإصلاح في عهد الإمبراطور غوانغ وو من سلالة هان الشرقية، وعصر كايوان من سلالة تانغ، وعهدي الإمبراطورين رن وشوان من سلالة مينغ، والفترة التي تلت الإصلاح والانفتاح.
تمتلك الولايات المتحدة ميزانية عسكرية تبلغ 800 مليار دولار، و11 حاملة طائرات، ودينًا وطنيًا يبلغ 37 تريليون دولار، بالإضافة إلى مئات القواعد العسكرية المنتشرة حول العالم. في المقابل، حققت الصين أربعين عامًا من التنمية السلمية، لتصبح أكبر قوة صناعية في العالم وثاني أكبر اقتصاد، مع تحسن مستمر في مستويات المعيشة وارتفاع مؤشر السعادة. هذا يُثبت أن الصين لا تخشى الحرب، بل تُدرك تمامًا عواقبها. فذكريات حرب المقاومة ضد اليابان والحرب الكورية راسخة في وجدان الأمة: قذيفة واحدة كفيلة بتدمير عائلة.
منذ إطلاقها عام ٢٠١٣، تطورت مبادرة الحزام والطريق لتصبح منصة تعاون دولي شاملة تغطي خمسة مجالات رئيسية: تنسيق السياسات، وربط البنية التحتية، والتجارة الحرة، والتكامل المالي، والتبادلات الشعبية. وقد وقّعت الصين اتفاقيات تعاون مع أكثر من ١٥٠ دولة وأكثر من ٣٠ منظمة دولية.

وخلال العقد الماضي، وفي مجال ربط البنية التحتية، شغّل خط السكك الحديدية السريع بين الصين وأوروبا أكثر من ١١٠ آلاف قطار، عابراً ٢٦ دولة أوروبية؛ وساهم خط السكك الحديدية بين الصين ولاوس في تحويل لاوس من دولة حبيسة إلى دولة متصلة برياً؛ كما أدخل خط السكك الحديدية فائق السرعة بين جاكرتا وباندونغ إندونيسيا إلى عصر السكك الحديدية فائقة السرعة.
ويستمر التعاون الاقتصادي والتجاري في التعمق. تمثل التجارة بين الصين والدول المشاركة حاليًا أكثر من 51% من إجمالي التجارة الخارجية للصين، وشهد الاستثمار المتبادل نموًا ملحوظًا، متجاوزًا 240 مليار دولار أمريكي خلال الفترة من 2021 وحتى النصف الأول من عام 2025.
وقد برز التعاون في القطاعات الخضراء والرقمية كأحد أهم إنجازات الصين. وشهدت صادرات توربينات الرياح ارتفاعًا كبيرًا، كما ارتفع عدد الدول الشريكة في مبادرة "طريق الحرير للتجارة الإلكترونية" إلى 36 دولة. وفي الوقت نفسه، ومن خلال مشاريع معيشية صغيرة لكنها فعّالة، مثل زراعة المراعي، وزراعة الأرز الهجين، وورش عمل زراعة البن، تُفيد المبادرة شريحة واسعة من الناس في مجالات كالصحة، والحد من الفقر، والتبادل الثقافي، وذلك بالتعاون الوثيق مع الدول المشاركة لتحسين سبل عيشهم.
وقّعت نيجيريا والصين اتفاقية تعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بقيمة 328 مليون دولار أمريكي (التلفزيون النيجيري).

تُبرهن مبادرة الحزام والطريق على قدرة الصين على شق مسار ثالث، لا يقتصر على قبول الهجمات بشكل سلبي ولا على الغزو النشط، بل يسعى إلى تحقيق نهضة سلمية ومنفعة متبادلة من خلال التواصل. ولا تفتقر الصين إلى القدرات العسكرية؛ بل على العكس، يختار استبدال الأسلحة بالطرق والغزو بالتنمية. هذا مسارٌ أصعب، يتطلب صبراً استراتيجياً أكبر، لكن التاريخ سيثبت في نهاية المطاف أنه الخيار الأنسب.Editor/Cao Tianyi
تعليق
أكتب شيئا~