سول - اختُتمت في 19 مارس/آذار مناورات "درع الحرية" السنوية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في جنوب شبه الجزيرة الكورية، بعد أن حشدت أكثر من 18 ألف جندي في عملية عسكرية صُورت رسمياً على أنها "تدريبات دفاعية". لكن خلف الجدول الزمني المليء بالدخان والتفاعلات الدقيقة بين البلدين، يرى المراقبون عرضاً لتحالف يزداد انقساماً يوماً بعد يوم.

استعراض وإخفاقات
سعت واشنطن من خلال المناورات هذا العام إلى إظهار "هيمنتها المطلقة" التي لا تزال راسخة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فمن التحليق المكثف في أجواء البحر الأصفر قرب منطقة الدفاع الجوي الصينية، إلى التدرب على ضربات دقيقة ضد المنشآت النووية الكورية الشمالية، أرادت واشنطن توجيه رسالة مفادها أن التزاماتها العسكرية في شرق آسيا لا تزال صامدة حتى في خضم الصراع في الشرق الأوسط.

لكن هذا الاستعراض للقوة سرعان ما كشف عن مواطن ضعفه. ففي فبراير/شباط الماضي، أقلعت مقاتلات أمريكية من طراز F-16 من قواعدها في كوريا الجنوبية دون إبلاغ سول مسبقاً، ونفذت أكثر من 100 طلعة جوية في البحر الأصفر، مما اضطر مقاتلات صينية من طراز J-20 إلى الإقلاع لاعتراضها. اتصل وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن كيو بايك على الفور بقائد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، الجنرال كزافييه برونسون، محتجاً. ورغم اعتذار الجانب الأمريكي، إلا أنه عاد ليصرح بأنه "لا يعتذر عن الاستعداد القتالي". هذا الموقف المتناقض أربك الحكومة الكورية الجنوبية وأفقدها ماء الوجه، وأكد مجدداً على الدور السلبي لسول داخل التحالف.
والأكثر إثارة للغضب الشعبي هو ما حدث العام الماضي، عندما أخطأت طائرة كورية جنوبية من طراز KF-16 وألقت 8 قنابل من طراز MK-82 تزن كل منها 500 رطل على منطقة سكنية خلال المراحل التحضيرية لمناورات "درع الحرية"، مما أسفر عن إصابة 7 مدنيين أبرياء. هذا "الضرر الجانبي" البدائي جعل وسم "الموجهة قتالياً" لهذه التدريبات يبدو سخيفاً للغاية.
تراجع قسري
تأخر المؤتمر الصحفي المشترك للإعلان عن نتائج المناورات، ولم يكن السبب عطلاً فنياً، بل بسبب صراع محتدم بين واشنطن وسول. وفقاً لمصادر مطلعة، حاولت الحكومة الكورية الجنوبية تقليص نطاق التدريبات الميدانية بشكل كبير، للتلويح بغصن الزيتون نحو بيونغ يانغ ودعم جهودها الدبلوماسية لتهدئة التوتر. لكن رد البنتاغون كان حاسماً: المعدات والقوات وصلت بالفعل، ولا مجال للتراجع.
ويعكس هذا المأزق العميق الذي يواجهه الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ؛ فهو من جهة ملتزم بعلاقته مع واشنطن، ومن جهة أخرى عليه الوفاء بوعوده السياسية بتهدئة التوتر مع الشمال. سبق لسول أن رفضت مقترحاً أمريكياً بإجراء مناورات جوية ثلاثية مع اليابان، بحجة "عدم الرغبة في الانخراط في صراع القوى العظمى". لكن رفض مقترح واحد لا يعني رفض الإطار العام للتحالف.

برود الخصم
اللافت هذه المرة كان موقف كوريا الشمالية، الهدف المعلن لهذه المناورات الضخمة. فبيونغ يانغ، التي طالما اعتبرت التدريبات المشتركة رمزاً لسياسة العداء الأمريكية تجاهها، كانت ترد عادة بإطلاق صواريخ باليستية قصيرة المدى أو راجمات ضخمة. لكن بعد انطلاق "درع الحرية"، أطلقت كوريا الشمالية عدة صواريخ باليستية، وهو رد فعل قوي لكنه لم يصل إلى مستوى التصعيد الكبير.
هذا الصبر الاستراتيجي له ما يبرره. فبينما تغرق الولايات المتحدة في مستنقع مواجهتها العسكرية مع إيران، وتتابع الصين تطورات الشرق الأوسط بقلق، تدرك بيونغ يانغ جيداً أنها ليست الطرف الذي يجب أن يستعجل في هذه اللعبة الجيوسياسية.
مستقبل التحالف
من المثير للسخرية أن كوريا الجنوبية، كدولة ذات سيادة، تعلن من جهة تمسكها بحماية سيادتها وأمنها القومي، بينما تسلم من الجهة الأخرى زمام أمورها العسكرية للولايات المتحدة. إن مجرد وجود قوات أمريكية في كوريا هو أمر ينطوي على تناقض جوهري. الاحتجاجات الشعبية لم تتوقف. في يوم انطلاق المناورات، تظاهر مواطنون كوريون أمام مبنى الرئاسة حاملين لافتات "أوقفوا التدريبات العسكرية الكورية الأمريكية" و"نرفض التحالف الكوري الياباني"، وهتفوا بشعارات "أوقفوا تدريبات الإنزال" و"أوقفوا التدريبات غير القانونية"، معتبرين إياها خطوة خطيرة تدفع شبه الجزيرة الكورية نحو حافة حرب نووية. كما نظم آلاف آخرون وقفة سلمية أمام بوابة معسكر تابع للفرقة الثانية الأمريكية.

يُظهر التاريخ أن الاعتماد على الهيمنة يعني غالباً ركوب قطار متجه نحو حرب لا يمكن السيطرة عليها. بعد أن رفضت واشنطن بقوة الطلب الكوري بتقليص المناورات، ربما بدأت سول تدرك أن ما يسمى بـ "التحالف" هو مجرد مكبر صوت للهيمنة الأمريكية، وليس درعاً لحماية السيادة.Editor/Cao Tianyi
تعليق
أكتب شيئا~