كان موقف الرئيس الأمريكي من إيران متقلباً للغاية في الأسابيع الأخيرة لدرجة أثارت دهشة المحللين. فمن إعلانه أن الولايات المتحدة "انتصرت" في الحرب، إلى تهديده "بمحو إيران من الخريطة"، إلى نشره رسائل بذيئة ومسيئة على منصة "تروث سوشيال"، يبدو أن موقف ترامب يعتمد كلياً على مزاجه في أي لحظة.

لخّص المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل باغي، جوهر هذا الوضع الفوضوي بقوله: "لا يمكن للمفاوضات أن تتعايش مع الإنذارات، فكيف بها مع التهديدات بالجرائم وجرائم الحرب؟"
المواعيد النهائية "النهائية" المؤجلة مرارًا
يتجلى سلوك ترامب المتقلب تجاه إيران بوضوح في تعامله مع ما يُسمى "المواعيد النهائية".

بعد اندلاع الحرب، وجّه ترامب إنذارًا نهائيًا مدته 48 ساعة، مطالبًا إيران بإعادة فتح مضيق هرمز، وإلا سيدمر بنيتها التحتية للطاقة. ثم أعلن "هدنة" لمدة خمسة أيام في الضربات، مدعيًا أنه يجري "حوارًا مثمرًا وجيدًا للغاية" مع إيران. وبعد بضعة أيام، ادّعى أنه بناءً على طلب الحكومة الإيرانية، سيتم "تأجيل" الموعد النهائي لتدمير منشآت الطاقة الإيرانية "لمدة 10 أيام أخرى" - وهو ادعاء نفته إيران بشكل قاطع.
وهكذا، نقض ترامب نفسه مرارًا وتكرارًا "المواعيد النهائية" التي حددها. وكان لكل تأجيل سبب مختلف، لكن القاسم المشترك الوحيد هو أن أياً منها لم يكن النهاية الحقيقية. وعندما أعلن مجددًا أن الساعة الثامنة صباحًا من يوم الثلاثاء ستكون "اللحظة الأخيرة الحقيقية"، لم يصدقه إلا القليل. وقد أسرّ مسؤول أمريكي لزميل له بأن البيت الأبيض يتوقع: "في غضون 24 ساعة أخرى، سيجد سببًا آخر للتأجيل".
من "النصر" إلى "الدعاء إلى الله": عاصفة من الكلمات
استمر خطاب ترامب في الانحدار إلى مستويات غير مسبوقة. ففي 22 مارس، ادعى أن الولايات المتحدة "محوت إيران من الخريطة"، محققةً هذا الهدف قبل أسبوع. وفي اليوم التالي، غيّر لهجته، قائلاً إن "إيران أقوى بكثير مما كانت عليه قبل شهر"، لكنها الآن "قُطعت رأسها".

في الخامس من أبريل، نشر ترامب رسالةً بذيئة اللهجة على موقع "تروث سوشيال"، مستخدمًا ألفاظًا نابية عديدة، واختتمها بشكلٍ غير متوقع بعبارة "الحمد لله". وفي منشوره، أعلن يوم الثلاثاء "يوم محطة الطاقة الإيرانية ويوم الجسر". وفي اليوم نفسه، صرّح في مقابلة مع قناة فوكس نيوز أن هناك "فرصة جيدة جدًا" للتوصل إلى اتفاق. هذا التناوب بين التهديدات والمصالحة خلال 24 ساعة فقط أثار حيرة الجميع.
وكان الأمر الأكثر إثارةً للحيرة هو تهديدات ترامب المتزامنة بـ"تدمير كل شيء والاستيلاء على النفط"، وتصريحه بأن اقتراح إيران لوقف إطلاق النار "خطوة كبيرة"، ولكنه "غير كافٍ". بل إنه ألمح إلى أن الولايات المتحدة قد تساعد إيران في إعادة البناء إذا تم التوصل إلى اتفاق.
من الواضح أن إيران لم تعد تأخذ تهديدات ترامب على محمل الجد.
وصف الجنرال علي عبد الله أريابادي، قائد القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، خطاب ترامب بأنه "يائس، ومتوتر، وغير متزن، وأحمق"، محذراً من أن "أبواب الجحيم ستُفتح لرئيس الولايات المتحدة".
وأعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، يوم الاثنين، أن مضيق هرمز "لن يعود إلى حالته السابقة"، لا سيما بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل. وحذر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باجير قاليباف، عبر منصة "إكس"، من أن "تصرفات ترامب المتهورة" ستجر الولايات المتحدة إلى "جحيم حي" وستتسبب في "اشتعال المنطقة بأكملها".

قدّم وزير الخارجية الإيراني، عبر قنوات باكستانية، مقترحًا من عشر نقاط إلى الولايات المتحدة، يطالب فيه بإنهاء الحرب بشكل دائم، ورفع العقوبات، وتقديم ضمانات لإعادة الإعمار، بدلًا من وقف إطلاق النار المؤقت الذي يسعى إليه ترامب. وكتب خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين في شركة "إنترأكتيف بروكرز": "الإيرانيون غير مستعدين للاستجابة بسهولة لمطالب البيت الأبيض؛ فهم يسعون إلى إنهاء واضح للحرب، ورفع العقوبات، وتوفير التمويل لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة".
الضغوط الداخلية وتحذيرات الحلفاء
يكمن وراء سلوك ترامب المتقلب ضغوط سياسية داخلية متزايدة.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضون العمل العسكري ضد إيران، حيث تبلغ نسبة التأييد حوالي 39%. ويشعر ترامب بإحباط شديد إزاء هذا الأمر، متهمًا وسائل الإعلام بتغطية "غير منصفة" للحرب، بل إنه يفكر في تعديل وزاري لمواجهة ضغوط الحرب.
وفي الكونغرس، وجّه أعضاء من الحزبين تحذيرًا مشتركًا نادرًا. نشرت مارجوري تايلور-غرين، الحليفة السابقة لترامب، مقالاً مطولاً على منصة إكس، وصفت فيه ترامب بأنه "مجنون". ووصف زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، خطاب ترامب بأنه يشبه خطاب "رجل مختل عقلياً"، وسلوكه بأنه "لا يعكس القيم الأمريكية". وتتزايد الرهانات على تفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزل ترامب في السوق.

تُصعّد إسرائيل من تحركاتها. ففي يوم الاثنين، أعلن الجيش الإسرائيلي إتمام جولة جديدة من الغارات الجوية على طهران، أسفرت عن مقتل رئيس جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري. ومع ذلك، حتى تحركات إسرائيل تُسبب مشاكل لترامب، إذ تتراجع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تدريجياً بفعل حلفائها.

في غضون ذلك، يمارس الحلفاء الإقليميون ضغوطًا على واشنطن. فقد حذرت دول الخليج من أن استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية قد يؤدي إلى انهيار البلاد وإشعال فتيل فوضى إقليمية أوسع. وقد أدت أسعار النفط المرتفعة بالفعل إلى توتر الأوضاع الاقتصادية العالمية، حيث بلغ سعر خام برنت أعلى مستوى له منذ بدء النزاع، مسجلًا 115.48 دولارًا للبرميل خلال التداولات.
يثير سلوك ترامب المتقلب تساؤلات عالمية: هل لهذا الرئيس الأمريكي حدود واضحة؟ بعد محاولات متكررة وانتظار طويل، توصل المسؤولون في طهران أخيرًا إلى استنتاج واقعي: مهما كانت التنازلات التي قدموها، فبإمكان ترامب تغيير رأيه في أي وقت؛ ومهما كانت المطالب التي رفضوها، فبإمكانه التراجع في اللحظة الأخيرة.
ربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر إثارة للقلق في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، فعندما لا يكون لأحد الطرفين حدود واضحة، لا أحد يعلم أين تكمن حدود الحرب.Editor/Cao Tianyi
تعليق
أكتب شيئا~