عندما اقتيد نيكولاس مادورو من مقر إقامته في كاراكاس وأُجبر على الصعود إلى طائرة متجهة إلى نيويورك على يد قوات دلتا الأمريكية في ليلة قائظة من شهر يناير، شهد دونالد ترامب في غرفة العمليات بالبيت الأبيض ما يُشبه "ضربة قاضية" مُتقنة. فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، حققت تغييرًا في النظام خلال 24 ساعة فقط. ترامب، الذي تشجع بهذا النجاح، ازداد جرأة.

بعد شهرين، عندما سقطت قنابل عملية "الغضب الملحمي" على طهران، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، ربما ظن ترامب أنه يُكرر السيناريو نفسه. كان قد تفاخر بقدرته على إحداث تغيير في النظام في إيران خلال أسبوع. ولكن بحلول منتصف مارس، وبعد أكثر من عشرة أيام على اندلاع الصراع، لم ينتفض الشعب الإيراني كما كان متوقعًا؛ بل عُرضت صور ضخمة لمجتبى، الابن الثاني لخامنئي، في شوارع طهران. كان ترامب يواجه "حرب استنزاف" لم يتوقعها.
تقع فنزويلا في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، على بُعد ما يزيد قليلاً عن ألف كيلومتر من ساحل فلوريدا، ولدى الجيش الأمريكي شبكة قواعد متطورة في منطقة الكاريبي. أما إيران، الواقعة في عمق منطقة الخليج، فتتطلب عبور المجال الجوي لعدة دول للوصول حتى إلى أقرب قاعدة للقيادة المركزية الأمريكية.
يكمن الاختلاف الأهم في الحواجز الجغرافية والقدرات العسكرية. فالدفاعات الجوية الفنزويلية ضعيفة للغاية؛ إذ لا تبعد عاصمتها كاراكاس سوى 10 كيلومترات عن الساحل، مما يسمح لمروحيات القوات الخاصة التي تُطلق من السفن الحربية بالتسلل مباشرة. في المقابل، تقع العاصمة الإيرانية طهران على بُعد 400 ميل من الخليج العربي، وهي محمية بشبكة دفاع جوي متعددة الطبقات وقوات النخبة التابعة للحرس الثوري الإسلامي. والأهم من ذلك، أن إيران تمتلك أكبر ترسانة صواريخ وأكثرها تنوعًا في الشرق الأوسط، إذ يتجاوز مدى صواريخها الباليستية متوسطة المدى 1200 ميل، ما يُشكل تهديدًا مباشرًا للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وبينما احتفل ترامب باعتقال مادورو، ربما يكون قد أغفل حقيقة أن الجيش الفنزويلي كان يعاني بالفعل من عدم استقرار سياسي واسع النطاق وانشقاقات رفيعة المستوى قبل الهجوم. وعلى الرغم من الاحتجاجات الشعبية العارمة والقمع الوحشي الذي مارسته قوات الأمن خلال العام الماضي، لم تتمكن إيران قط من زعزعة استقرار مركز سلطتها.
وعد ترامب بـ"وقف الحروب"، إلا أن ولايته الثانية شهدت شنه حربًا على ثماني دول في غضون ثمانية أشهر. وقد أوهمه نجاح العملية في فنزويلا بأنه وجد نموذجًا قابلًا للتكرار: القضاء على قادة العدو بتكلفة زهيدة للغاية، وتنصيب نظام موالٍ لأمريكا بسرعة، ثم جني ثمار الموارد.

لكن إيران ليست فنزويلا. هذه الجمهورية الثيوقراطية، التي يبلغ تعداد سكانها قرابة 90 مليون نسمة، وتمتد على مساحة شاسعة، وتتمتع بعقود من الخبرة في معاداة أمريكا، يصعب غزوها أكثر بكثير من دولة في أمريكا اللاتينية غارقة في الانهيار الاقتصادي والانقسام الداخلي. عندما وقف ترامب على العشب الجنوبي للبيت الأبيض معلناً أن الحرب ستستمر "من أربعة إلى خمسة أسابيع، أو لفترة أطول إذا لزم الأمر"، ربما كان قد أدرك بالفعل أن النصر السهل في كاراكاس كان يجرّه والولايات المتحدة إلى مستنقع أعمق بكثير مما كان متوقعاً.Editor/Cao Tianyi
تعليق
أكتب شيئا~