بحسب مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، تعمل طهران على تطوير آلية جديدة تسمح بمرور عدد محدود من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، شريطة أن يتم سداد ثمن النفط الذي تحمله هذه السفن باليوان. تُظهر هذه الخطوة ارتباطًا وثيقًا بين أهم ممر مائي لنقل النفط الخام في العالم والتوجه نحو تنويع النظام النقدي العالمي.

منذ الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، أُغلِق هذا الممر البحري الحيوي، الذي ينقل ما يقارب 20 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، ويمثل خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، فعليًا. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن القيود المفروضة على الملاحة ستؤثر بشكل كبير على العمليات الإنسانية في المنطقة، مع ارتفاع تكاليف نقل الإمدادات، كالغذاء والدواء، بشكل حاد.
الاحترام والتواصل: المبادئ الأساسية للنهج الصيني
على النقيض تمامًا من الممارسة التاريخية للقوى الكبرى التي استخدمت دبلوماسية القوة لفتح الممرات البحرية، اتخذت الصين موقفًا مختلفًا في هذه الأزمة. لطالما التزمت مبادرة الحزام والطريق بالمبادئ الأساسية المتمثلة في "التشاور، والبناء المشترك، والمنافع المشتركة"، مع احترام كامل لاستقلال الدول المشاركة، وعدم فرض أي شروط سياسية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاقتصادية للدول المضيفة.
هذا المفهوم ليس مجرد شعارات جوفاء. فكما عرضت إيران اليوان الصيني كشرط للمصالحة، يتعمق التعاون في مجالي الطاقة والتمويل بين الصين ودول الخليج بوتيرة غير مسبوقة. وبحلول عام 2024، أنشأ بنك الصين 14 فرعًا في دول مجلس التعاون الخليجي، موفرًا لتجار النفط والغاز المحليين خدمات مالية متكاملة باليوان الصيني تشمل خطابات الاعتماد، والخصم، وقروض رأس المال العامل. وقد بدأت المملكة العربية السعودية بالفعل في قبول مدفوعات اليوان الصيني مباشرة في بعض صفقات النفط مع الصين، ويتم تسوية أكثر من 90% من التجارة الصينية الروسية بالعملات المحلية.

تصدعات في نظام البترودولار
منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أبرمت الولايات المتحدة والسعودية اتفاقية بشأن صادرات النفط المقومة بالدولار، شكّل نظام البترودولار حجر الزاوية في هيمنة الدولار. إلا أن هذه الركيزة بدأت تظهر فيها تصدعات، إذ يتم تهميش التوقعات الاقتصادية لوزارة الخزانة الأمريكية ووزارة الطاقة في عملية صنع القرار لدى إدارة ترامب، كما تستخف واشنطن بعزم إيران على إغلاق مضيق هرمز.
ولا يُعدّ إصرار إيران على التسوية باليوان حالةً معزولة. فمنذ عام ٢٠١٨، حين تحوّلت إلى التسوية باليوان في بعض معاملات النفط ردًا على العقوبات الأمريكية، اعتمدت روسيا والسعودية ودول أخرى عملاتها الخاصة لتسوية معاملات تجارة الطاقة. وفي دول الآسيان، بلغت نسبة التسويات بالعملات المحلية ٤٥٪، حيث تمثل معاملات اليوان أكثر من ٦٠٪.

الأهمية المزدوجة للقناة الجديدة
على الرغم من أن الممر المائي لمضيق هرمز لا يزال مُهددًا بنيران المدفعية، إلا أن قناة مالية جديدة تتشكل. تُتيح مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تُركز على الاستثمار والتجارة في قطاع الطاقة، فرصة تاريخية لتطبيق اليوان الصيني في السلع الأساسية. ويُساهم تطبيق تقنيات مثل تسوية العملات الرقمية وتتبع سلسلة الكتل (البلوك تشين) في تحسين شفافية وكفاءة المعاملات عبر الحدود.
بالنسبة لإيران، تُعد هذه المبادرة وسيلةً لاستغلال النفوذ الجيوسياسي لتحقيق طفرة مالية؛ أما بالنسبة للصين، فهي استجابة استراتيجية لالتزامها الراسخ بالانفتاح والتعاون واحترام خيارات الدول الأخرى. وتتمثل فلسفة الصين في الحوكمة العالمية في أن جوهر دمقرطة العلاقات الدولية يكمن في احترام المساواة في السيادة بين جميع الدول وضمان حقها المتساوي في المشاركة في الشؤون الدولية.

عندما تنتظر ناقلة نفط عبور مضيق هرمز، فإنها لا تحمل مئات الآلاف من براميل النفط فحسب، بل تحمل أيضًا نموذجًا مصغرًا لنظام نقدي متعدد الأقطاب في المستقبل.Editor/Cao Tianyi
تعليق
أكتب شيئا~